Thursday, 17 June 2021

بعضها عن الأوضاع وأخرى عن ذوي القربى أفلام عربية تتسابق للفوز بجوائز سنوية
• «مفاتيح مكسورة» محمد رُضا: مع إنطلاقة الدورة المقبلة من مهرجان «كان» السينمائي التي ستقام ما بين السادس والسابع عشر من شهر يوليو (تمّوز)، يستعد «مركز السينما العربية» لإقامة حفله السنوي خلال أيام الدورة والتي سيتم فيه الإحتفاء بأحد النقاد العرب كما جرت العادة. يأتي هذا النشاط لجانب قيام المركز بتوزيع جوائزه السنوية أيضاً على مجموعة من الأفلام العربية والأفلام المموّلة أجنبياً من إخراج عرب. هذه الجوائز تجري بالتصويت عليها من قِبل 166 ناقد عربي وأجنبي يتم توزيع الأفلام عليهم تمهيداً لإختيار كل منهم لأفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل فيلم تسجيلي وأفضل سيناريو وأفضل ممثل وأفضل ممثلة. دعم للسينما تبدو المهمّة عادية وبسيطة. يشاهد كل منّا الأفلام ويختار منها ما هو أفضل في هذه المسابقات الستة. هذا يحدث في كل مكان حول العالم وبالطريقة ذاتها أو بنظام الإختيارين الأول (حيث تشترك كل الأفلام فيه) ثم بالتصفية (حين يتم تأليف القائمة القصيرة تمهيداً للتصويت الأخير). لكن التحرّي عن الأفضل بحد ذاته ليس مهمّة تلقائية الا في حالة أن الفيلم الذي يُعاينه الناقد يفشي سرّه سريعاً فإذا به لا يستحق الا قدراً محدوداً من الإعجاب. في هذا الجانب هناك حقيقة أن عدداً محدوداً من الأفلام هي تلك التي يتم توفيرها للتصويت في مسابقة «مركز السينما العربية»، (20 فيلم هذا العام) وذلك عبر انتقاء ما سبق للمهرجانات العالمية أن عرضته من أعمال أو كان للمركز يد طولى في تبنيه على نحو أو آخر. هذا يجعل المسألة أحادية إلى حد كبير. هناك ضعف هذه الأفلام التي تُنتج في العالم العربي وليس من العدل أن يتم استثناؤها من التصويت (وعلى مرحلتين). مبدأياً، عدم وصول فيلم لمهرجان دولي (ووصوله بات أسهل من ذي قبل بسبب كثرة المهرجانات) ليس تبريراً كافياً لعدم تواجده في أي أستفتاء من هذا النوع. هذا ليس للتشكيك أو النيل مما يقوم به المركز في هذا الشأن مطلقاً، بل يدخل في عداد اقتراح تطويره خصوصاً في غياب إتحاد لنقاد السينما العرب أو لأكاديمية فعلية كتلك التي في العديد من عواصم العالم. والواقع أن «مركز السينما العربية» (يُشرف عليه بنجاح السينمائي علاء كركوتي) يقوم بنشاطات عدّة في مجال دعم السينما العربية عالمياً. له حضور في أكثر من مهرجان (بدءاً ببرلين و«كان») ويصدر مجلة تعريف بها، ويقيم حلقات تواصل ويبعث بمنتجين شبّان إلى بعض المهرجانات ليكونوا على مقربة من الحدث لمتابعته والإستافدة منه. الشأن الفلسطيني أفلام هذه الدورة من المسابقة كان لابد لها أن تتنوّع نظراً لما تطرحه في الهيكلة والمعالجة أو في المضمون ورسالته. معظمها، ولقصور السينما العربية وحركتها الإنتاجية، لم يكن ليتم من دون تمويل مباشر من قِبل شركات أوروبية (فرنسا، ألمانيا، بلجيكا، سويسرا، دنمارك، برتغال). هذا يجعل منها أعمالاً مشتركة في أفضل الأحوال، لكن لهذا الموضوع حديث آخر مختلف.
• «200 متر» من بين الأفلام العشرين التي تم التصويت عليها يوم الأحد الفائت ستة فقط يبدو أن تمويلها كان محلياً تماماً أو إلى حد غالب وهي «القصّة الخامسة» (العراق، قطر) و«قبل زحف الظلام» (المغرب) و«الهدية» (المغرب) و«نرجس أ» (الجزائر) و«نَفس» (لبنان) و«من أجل القضية» (المغرب). هذا الأخير واحد من أربعة أفلام تدور حول الشأن الفلسطيني. أخرجه حسن بنجلون حول ما قد يُصيب موسيقي فلسطيني من صعوبة انتقال ما بين المغرب والجزائر عندما يُطلب منه إقامة حفل فيختار السفر برّاً مع منتجة فرنسية ينتقل دورها من الفضول إلى التعاطف وهي تجد رفيقها يواجه تحديات إنه فلسطيني. الفيلم هو كوميدي في أساسه وفيه حلقة ضعيفة يكشف عنها في نهاية مطافه. الفيلم الثاني هو «غزّة مونامور» للفلسطينيين طرزان وعرب ناصر (إنتاج فرنسي ألماني وبرتغالي وقطري لكنه يحمل إسم هوية منبعه فلسطين) حول الصياد الواقع بين حبّه لأرملة ويوميات حياته المبعثرة في غزّة. الفيلم الثالث هو «200 متر» للأردني أمين نايفة حول الزوج (على سليمان) الذي عليه اجتياز الجدار القائم للوصول إلى إبنه الصغير الراقد في المستشفى. الفيلم الرابع هو أيضاً بإسم فلسطين (لكن تمويله الفعلي يبدو ورد من ايرلندا ولوكسمبرغ) وعنوانه «بين السماء والأرض» لنجوى نجّار وهو عن زوجين يدخلان الأرض المحتلة لإنهاء ترتيبات الطلاق ليكتشفا ما لم يكن بحسبانهما. تناولنا هذه الأفلام في حينها (شوهدت في القاهرة وفنيسيا من قبل وأعيدت مشاهدة بعضها للمناسبة) وهي جزء من إنتاجات عدّة تطرح المسألة الفلسطينية على مستويات عدة وبنتائج فنية مختلفة. أفلام ذوي القربى أفلام القضايا نشطة في عالمنا وتجد ملاذها الأول في السينما غير الروائية. من الجزائر هناك «نرجس أ» لكريم عينوز عن دور المرأة في المظاهرات السلمية في الجزائر، و«قبل زحف الظلام» للمغربي علي الصافي حول سينمائيين عانوا من تبعات معارضتهم للحكومة والرقابة فتم تغييبهم عن العمل وذلك في رحى مطلع الثمانينات. ثم «نحن من هناك» للسوري وسام طانيوس (يحمل الفيلم هوية لبنانية- فرنسية) حول قريبان للمخرج يتركان سوريا إلى ألمانيا للعيش بعيداً عن الأحداث. في المقابل هناك أفلام تسجيلية لا علاقة لها بأسباب سياسية مثل «نَفس» للبنانية رمي عيتاني حول أحد «قبضايات» حي باب التبّانة الذي يوزع وقته بين الإدمان على المخدرات وتوزيعها. جهد المخرجة هو الوحيد اللامع في هذه المادّة الواقفة عند حد التكرار أكثر من مرّة. «أمهات» للمغربية مريم بكير هو من بين تلك الأفلام التي لا تترك أثراً يُذكر رغم نبل رسالتها. والفيلم المصري «عاش يا باكبتن» لمي زايد يخطف الإهتمام لبعض الوقت ثم يتخلّى عنه. في «الجنة تحت أقدامي» للبنانية ساندرا مهدي يتمحور حول ثلاثة أمهات ما بين ألمانيا ولبنان يسعين للإحتفاظ بأولادهن بعض حالات طلاق أحياناً بعد حكم القضاء.
• «من أجل القضية» ومن المخرجة المغربية كريمة سعيدي «طريق للبيت» ذلك الإهتمام بذوي القربى (كما الحال في «نحن من هناك») إنما على نحو أفضل ابتكاراً. أم المخرجة مصابة بالألزهايمر وساندرا تحاول استنطاقها حول ذكرياتها قبل فوات الأوان. فيلمان من النوع والإهتمام ذاته هما المغربي «ذا بستكارد» لأسماء المدير و«القصّة الخامسة» لأحمد عبد (العراق). الأول عن المخرجة تزور القرية التي وُلدت أمها فيها (تصوير بديع لطبيعة خلّابة، والثاني عن المخرج يزور أبيه الذي اعتزل الحياة الإجتماعية ويعيش في مقطورة قديمة مكتفياً بذكرياته. بالعودة إلى الروائي يبرز فيلمان لهما علاقة بالموضوع السوري: «مفاتيح مكسورة» لجيمي كيروز حول عازف في بلدة احتلتها قوات داعش وانتقاله إلى المدينة البعيدة ليجلب مفاتيح البيانو التي كسرها رئيس الميليشيا. الفيلم الآخر هو «المترجم» لرنا قزقز وأناس مخلوف حول العائد إلى سوريا من مهجره في سيدني، استراليا، للبحث عن مآل شقيقه الذي سُجن بسببه. لجانب «تحت السماوات والأرض» و«قبل زحف الظلام» و«تحت السماء والأرض» للبناني روي عريضة من بين الأجدى كتابة وإخراجاً.

Sunday, 14 March 2021

French Exit | 2021 | ★★1/2

• إخراج: أزازل جاكوبس • الولايات المتحدة | كوميديا (2021) عائلة فرنسيس برايس (ميشيل فايفر) تتكوّن من ثلاثة أحياء. هي وإبنها مايكل وقطّها سمول فرانك. أمنيتها في الحياة هي أن تموت قبل أن ينفذ مالها، لكن هذا تحديداً ما بات يهددها بعدما اكتشفت أن ما ورثته من زوجها بدأ بالنفاذ. ما العمل؟ اللجوء إلى باريس. مبدأياً نيويورك، حيث تعيش، وباريس، حيث ستعيش، متجاوران بالنسبة لغلاء المعيشة، لكن صديقة لها تتبرع بمنحها واحدة من شققها لتعيش فيها مع إبنها مايكل (لوكاس هدجز) وقطّها سمول فرانك. لمن يتمنى لو كان لديه صديقاً أو صديقة من هذا النوع الكريم، ما سيجنيه من فيلم أزازل جاكوبس هو الموقف الكوميدي الذي سيتبع هذه النقلة من بيئة إلى أخرى. كذلك التمثيل الجيد من ميشيل فايفر التي تجيد في آن التصرّف كثرية (سابقة ولكن…) وكإمرأة دائمة الإمتعاض. وأكثر ما يُثير امتعاضها هي رغبة مايكل الدائمة في التعرّف إلى الجنس الآخر. تنتقد اختياراته منذ حقبتهما النيويوركية عندما اضطر لترك صديقته سوزان (إيموغن بوتس). ثم تنتقد تلك الإختيارات عندما يتعرّف إبنها على طالعة حظ على ظهر السفنية أسمها مدلين (دانييل مكدونالد). هذه السفينة هي اختيار فرنسيس عوض الطائرة ومكان متوسط ما بين التمهيد في المدينة الأميركية وبين تلك الفرنسية. حين الوصول إلى باريس ستجد فرنسيس نفسها محاطة بعدد من الشخصيات الأخرى بينها مادلين وسوزان (التي طارت من أميركا لتكون بالقرب من صديقها). لكن في هذا الجزء من الفيلم يتبدّى إخفاق المخرج في صياغة لُحمة واحدة لهذه الحكاية بإستثناء أن فرنسيس ستبقى في حالها من التكرار في المواقف والتصرّفات. لكن من المنطق ذاته، يمكن للبعض اعتبار أن التمهيد هو الجزء الجامد من الحكاية وأن أفضل ما في الفيلم هو تلك الإحاطة بحياة المرأة وما يحدث لها ولمحيطها من أحداث (بينها اختفاء القط فرانك واستئجار تحري خاص للبحث عنها). الضحكات موجودة ولو متناثرة. هناك دفء يحسن المخرج توظيفه بين الشخصيات في الوقت الذي تبقى فيه فرنسيس محورها جميعاً. في المقابل عدم تبلور أي شخصيات على نحو يحمي الفكرة من الذبول بعد حين، ورغبة المخرج في تحقيق فيلم كوميدي ورصين من غير النجاح تماماً في أي من هذين المنهجين، يضعان العمل على محك صعب. هو من النوع الذي يرضي الكثيرين ولا يهم النخبة الأخرى.

Saturday, 27 February 2021

مقارنة بين توقعات الأوسكار المحتملة وترشيحات الغلوبز المُعلنة قراءة «الشرق الأوسط» لاحتمالات موسم الجوائز الساخن محمد رُضا
مساء يوم غد، الثالث والعشرين من هذا الشهر, تمت آخر عمليات التصويت بالنسبة لأعضاء «جمعية مراسلي هوليوود الأجانب» تمهيداً لحفلة منح جوائز الغولدن غلوبز في الثامن والعشرين من الشهر ذاته. هذا في الوقت الذي نحن فيه على بعد نحو ثلاثة أسابيع من إعلان الترشيحات الرسمية لجوائز الأوسكار التي ستقام في الخامس والعشرين من مارس (آذار) 2021. وفي عام مضى وآخر حاضراً بتبعاته، يقترب الخطّان المتوازيان من بعضهما البعض أكثر من أي وقت آخر. الأفلام التي تجري في سباق كل من الجائزتين الكبيرتين غالباً ما كانت واحدة كذلك الشخصيات السينمائية في شتّى مجالات العمل من الإخراج إلى كتابة السيناريوهات والموسيقا وشتى التصنيفات التي تشهدها سباقات الممثلين. لكن هذه السنة لا يوجد مفر من ظهور معظم الأفلام في قائمة الغولدن غلوبز من دون تكراره في قائمة الأوسكار ومن المستبعد أن لا تأتي النتائج ذاتها متقاربة. كل هذا في عام ثرياً بالأعمال المُستحقّة على الرغم من الوباء المعروف الذي فرض على صناعة السينما حول العالم (بما فيها من إنتاج وتوزيع وعروض ومهرجانات) ظروفاً غير مسبوقة. عام المرأة يتضح ذلك أكثر من سواه في سباق أفضل الممثلات الرئيسيات لدى كل من الأوسكار وغولدن غلوبز. وفي الأساس، موسم الجوائز هذا العام هو موسم نسائي بالدرجة الأولى. يتضح ذلك من قوّة المتنافسات في هذه المسابقة وكذلك، وفي حالة غير مسبوقة أخرى، في سباق غولدن غلوبز لأفضل مخرج الذي تشهد وجود ثلاث مرشّحات من أصل المرشحين الخمسة. المرشّحات هن رجينا كينغ، عن «ليلة في ميامي» وكلوي زاو عن «نومادلاند» وإميرالد فَنَـل عن «إمرأة شابّة واعدة». أما المرشحان الباقيان فهما ديڤيد فينشر عن «مانك» وآرون سوركِن عن «محاكمة شيكاغو 7» (The Trial of Chicago 7). الغالب هنا هو أن تفوز سيّدة بغولدن غلوب أفضل مخرج وأن يقع الإختيار على كلوي زاو عن فيلمها «نومادلاند». هذا الفيلم، كما سبق وقدّمناه هنا، عمل ممتاز لكن تحقيقه ليس أسهل على صانعه من تحقيق «ليلة في ميامي» أو «مانك». ما آخذه بعين الإعتبار هو أن هناك عدداً لا بأس به من الأعضاء من ذوي أصول جنوب آسيوية كمحال كلوي زاو (ذات الأصل الصيني). الأكثر من ذلك، نجد إنه لولا الإلتزام بخمس مرشحين في مسابقة أفضل مخرج في جوائز غولدن غلوبز وجوائز الأوسكار لحفلت المسابقة بأسماء أخرى. فصوفيا كوبولا قدّمت «أون ذا روكس» (On the Rocks) مذكّرة بوميضها السابق عندما قدّمت «مفقود في الترجمة» الذي منحها أوسكار أفضل سيناريو وترشيحها الوحيد حتى الآن لأوسكار أفضل مخرج. واستقبل المجتمع السينمائي جيداً فيلم كيلي رايشارد «بقرة أولى» وفيلم إليزا هيتمان «أبدا نادراً أحياناً دائماً». لكن من فاز بترشيحات غولدن غلوبز في مجال الإخراج غالباً ما سيجد نفسه مرشّحاً لخوض منافسة أخرى مع رفاقه حين إعلان ترشيحات الأوسكار في السباق ذاته. أما بالنسبة لأفضل الممثلات فإن المرجح أكثر من سواه انتقال اللائحة التي أعلنتها «جمعية مراسلي هوليوود الأجانب» بكاملها إلى لائحة «أكاديمية العلوم والفنون السينمائية». إن لم يكن بكاملها فبغالبيتها على الأقل. الممثلات اللواتي نتحدث عنهن هنا هن ڤيولا ديڤيز عن Ma Rainey’s Black Bottom) وأندرا داي عن «الولايات المتحدة ضد بيلي هوليداي» وفرنسيس مكدورمند عن «نومادلاند» و«كاري موليغن عن «إمرأة شابة واعدة» كما وڤنيسا كيربي عن «أشلاء إمرأة» ( Pieces of a Woman). إذا ما أسدلت الأكاديمية ستارتها على أي منهن فإن البديل النسائي جاهز: هناك كيت ونسلت عن «أمونايت» وميشيل فايفر عن «مَخرج فرنسي» وزندايا عن «مالكولم وماري» وحتى صوفيا لورِن عن «الحياة قُدُماً». لا ننسى أن جائزة أفضل ممثلة أولى مزدوجة الشأن بالنسبة للغولدون غلوبز، فهناك مسابقة أخرى للممثلات في الأفلام الكوميدية والموسيقية. وبطلات هذه المسابقة هن آنا تيالور-جوي عن «إيما» وروزمند بايك عن «أهتم كثيراً» وميشيل فايفر عن «مَخرج فرنسي» وكيت هدسون عن «موسيقى» وماريا باكالوڤا عن «فيلم بورات اللاحق». عادة لا تنتقل الممثلات الكوميديات بصورة غالبة إلى ترشيحات الأوسكار، لكن كل من هدسون وفايفر تتبوآن الإحتمالات الأعلى إذا ما بحث أعضاء الأكاديمية عن بديلات للممثلات المذكورات آنفاً.
• One Night in Miami إحتمالات رجالية المقارنة تختلف أكثر بالنسبة للممثلين الرجال. في لائحة غولدن غلوبز لأفضل ممثل رجالي كوميدي هناك إسم واحد قد يتكرر في لائحة الأوسكار وهو للهندي دف باتل عن دوره في «التاريخ الشخصي لديڤيد كوبرفيلد». الباقون إما لاحظاً ملموساً لهم أو أنه محدوداً جداً. هؤلاء هم ساشا كووَن عن «فيلم بورات اللاحق» وآندي سامبرغ عن «بالم سبرينغز» (فيلمان من المستبعد أن نراهما في قائمة ترشيحات الأوسكار النهائية) ولين-مانويل ميراندا عن «هاميلتون» ثم جيمس كوردون عن «حفل التخرّج». وكما هو الحال بالنسبة للقائمة النسائية في سباق الأفلام الدرامية، نجد أن الممثلين الرجال الخمسة المرشحين لغولدن غلوبز مرشّحون أيضاً للأوسكار. إن لم يكن الطاقم بأكمله فأربعة منهم على الأقل. هؤلاء الخمسة أساساً هم طاهر رحيمي عن «الموريتاني» وريز أحمد، عن «صوت المعدن»، (مسلمان لأول مرّة في القائمة ذاتها في ترشيحات غولدن غلوبز) وأنطوني هوبكنز عن «الأب» (الأكبر سناً في تاريخ هذه الترشيحات بالنسبة للغولدن غلوبز) وغاري أولدمن عن «مانك» وشادويك بوزمَن عن «مؤخرة ما رايني السوداء».
Riz Ahmed • فوز بوزمن فإنه سيكون أول ممثل أسود يفوز بتاريخ الغولدن غلوبز. إما إذا فاز الفرنسي طاهر رحيمي أو ريز أحمد بالغولدن غلوبز فسيكون ثاني ممثل مسلم يفوز بها بعد عمر الشريف الممثل العربي الراحل فاز مرّتين الأولى سنة 1964 عن دوره المساند في «لورنس العرب» (إنتاج 1963) والثانية سنة 1966 عن دوره الرئيس في «دكتور زيفاغو» (إنتاج 1965) وكلا الفيلمين من إخراج ديڤيد لين. إذ قد نجد هذه الحقيبة تنتقل بالكامل تقريباً إلى سباق أوسكار أفضل ممثل، تطالعنا حقيقة أن الممثل الأفرو-أميركي دلروي ليندو (الذي أغفلته ترشيحات غولدن غلوبز) لديه فرصة أفضل مع لائحة الأوسكار. بالتأكيد سيغفل الأوسكار عن ضم واحد (على الأقل) من قائمة غولدن غلوبز ما قد يتيح للممثل دلروي دخول السباق الأوسكاري. هو الممثل الأبرز في فيلم سبايك لي Da 5 Bloods الذي غاب عن ترشيحات غولدن غلوبز كأفضل فيلم وكأفضل مخرج لكن لديه احتمالاً كبيراً في دخول قائمة أوسكار أفضل فيلم. إذا ما فعل سيكون هناك ثلاثة أفلام على الأقل من بطولة وإخراج أفرو-أميركيين هي «دا فايف بلودز» و«ليلة في ميامي» و«جوداس والمسيح الأسود» وإن لم يكن هذا الأخير فإن البديل متوفر عبر «الولايات المتحدة ضد بيلي هوليداي» و«مؤخرة ما ريني السوداء». في هذا المجال (الذي سيتسع كالعادة لتسعة أو عشرة أفلام) هناك أفلام أخرى تقود الإحتمالات حالياً مثل «نومادلاند» لكلوي زاو و«ميناري» للي أيزاك تشانغ و«صوت المعدن» لداريوش ماردر و«الأب» لفلوريان زَلر و«مانك» لديفيد فينشر. عنقود العنب هذا ما ينقلنا إلى مسابقة أفضل فيلم أجنبي/ عالمي. المقارنة بين القائمتين، تلك المعلنة لجوائز غولدن غلوبز والمُحتملة للأوسكار تختلف في أكثر من وجه: غولدن غلوبز رشّح الفيلم الفرنسي «كلانا» (عن علاقة عاطفية بين إمرأتين بالغتين) والإيطالي «الحياة قُدما» (عن إمرأة يهودية وفتى مسلم يتعايشان) والغواتيمالي «للورونا» Llorona (عن جنرال دكتاتوري لاتيني سابق مشبع بالعنصرية) والدنماركي «دورة أُخرى» (عن لقاء بين رجال يكشف كل منهم عن أسراره تحت وابل من الشُرب) ثم «ميناري» وهو فيلم أميركي (حول عائلة كورية) لكن حواره كوري في الغالب. بينما لا تمانع الأكاديمية ضم «ميناري» لمسابقتها الرئيسية كونه انتاجاً أميركياً، فإن الخمسة الأكثر احتمالاً حتى الآن (كنا نشرنا قائمة «شورت ليست» أطلقتها الأكاديمية قبل أسبوعين تضم 15 فيلماً أجنبياً) هي التالية: «دورة أخرى» (الدنمارك) و«للورونا» (غواتيمالا) و«كلانا» (فرنسا) و«أنا لم أعد هنا» (المكسيك) و«كيوڤاديس، عايدة؟» (بوسنيا). حين كتابة هذه الكلمات تسعى جهات سينمائية تونسية لدفع فيلم «الرجل الذي باع ظهره» لكوثر بن هنية إلى هذه الترشيحات ممثلاً (ولأول مرّة) تونس. وهذا ما سيرفع من شأن احتمالاته لحد مرموق. مهرجان آسيا وورلد فيلم فستيڤال في لوس أنجيليس سيعرضه قبل أسبوع من نهاية التصويت على جوائز الأوسكار موزّعاً الدعوة على أعضاء الأكاديمية ليساهم في رفع حظوظ هذا الفيلم لديها. كل ما سبق يشبه عنقود العنب كل حبّة تقود إلى الأخرى وفي النهاية هناك الحبّة الأخيرة وأسمها هنا أوسكار أفضل مخرج. إذ ذكرت قائمة المخرجين المتنافسين في سباق غولدن غلوبر (زاو، سوركن، كينغ، فينشر وفَنل) ومع احتمال تكرار بعض هذه الأسماء في قائمة الأوسكار، الا أن العامل الأساسي لقائمة الأوسكار لا يستمد ترشيحاته من الغولدن غلوبز بقدر ما يستمدها من جائزة مهمّة أخرى تمنحها «جمعية المخرجين الأميركية». هذا لكون معظم أعضاء هذه الجمعية هم أعضاء الأكاديمية ما يضمن تكرار الترشيحات وتكرار النجاحات أيضاً. تصويت جمعية المخرجين بدأ في الثامن عشر من هذا الشهر وفي التاسع من الشهر المقبل سيتم إعلان الترشيحات الرسمية للجمعية وبدء التصوير النهائي. هذا تمهيد لإعلان النتائج في الحفل الذي سيتم في العاشر من أبريل (نيسان). وهذا قبل 15 يوماً من إعلان نتائج سباق الأوسكار… وقت كاف لكي يعيد المخرجون المنتمون إلى جمعيتهم وإلى الأكاديمية ما صوّتوا له. المرجّح أوسكارياً (وبالنسبة لجمعية المخرجين أيضاً) حتى الآن ترشيح المخرجة كلوي زاو عن «نوماندلاند» ولي ايزاك تشانغ عن «ميناري» وديفيد فينشر عن «مانك» ورجينا كينغ عن «ليلة في ميامي». في الصف التالي من الإحتمالات قد نقرأ أسماء آرون سوركِن عن «محاكمة شيكاغو 7» (كان سوركِن فاز بأوسكار أفضل سيناريو سنة 2010 عن «ذا سوشال نتوورك» الذي أخرجه (منافسه الحالي) ديڤيد فينشر. بول غرينغراس ربما لديه حظ لا بأس به، ولو محدوداً، عن «أخبار العالم» كذلك حال فلوريان زَلَر عن «الأب» وشاكا كينغ عن «جوداس والمسيح الأسود». هذا من دون أن ننسى أن سبايك لي لديه حظ قوي في أن يكون أحد الخمسة الأقوى ترشيحاً عن «دا فايڤ بلودز». هذه لن تكون القراءة الأخيرة في هذا الموسم الساخن. حال يقترب موعد حفل «غولدن غلوبز» سنتوقف عن الأعلى حظاً في نيل الجوائز. ثم سنلقي نظرة فاحصة أخرى حين تُعلن الترشيحات الرسمية للأوسكار في الشهر المقبل. وما بين الإثنين ستطالعنا نتائج عديدة ذات أهمية من بينها جوائز جمعية المصوّرين الأميركيين وجوائز بافتا البريطانية.

Saturday, 27 June 2020

Film Reviews: A Bridge on River Kwai


 تاريخ وحروب 

   

The Bridge on the River Kwai

جسر على نهر كواي

إخراج

ديڤيد لين | David Lean

★★★★ 

 

«جسر فوق نهر كواي» كان الفيلم الأول في التغيير الكبير الذي طرأ على سينما المخرج البريطاني ديڤيد لين. قبله أفلام ذات أحجام محدودة أو متوسطة. غالباً دراميات عاطفية جيدة مثل «لقاء موجز» (Bried Encounter) و«أوليڤر تويست« و«توقعات كبيرة» (كلاهما عن أدب تشارلز ديكنز). بعده اختص المخرج بأفلام ذات أحجام عملاقة درامياً وإنتاجياً مثل «لورنس العرب» (1962) و«دكتور جيفاكو» (1965) ثم «ممر إلى الهندس (1984) الذي ختم به مجمل أفلامه.

 الجسر المقصود هو ذاك الذي قررت القيادة العسكرية اليابانية بناءه فوق نهر كواي في منطقة سيام في تايلاند لنقل العتاد والأسلحة من مواقعها الخلفية إلى الجبهات المتقدمة. للغاية تقوم بنقل مساجين من الجنود البريطانيين لاستخدامهم في عملية بناء هذا الجسر. لكن قائد الجنود كولونل نيكولسن (أليك غينس) يمتنع عن إصدار أوامره لجنوده للعمل تحت إشراف السجّانين اليابانيين لأن في ذلك خرقاً للمعاهدات الدولية. نتيجة هذا الرفض، يقوم قائد السجن العسكري سايتو (سيسو هاياكاوا) باعتقال نيكولسن وسجنه منفرداً فيما سمّاه «صندوق السخونة» (Heat Box). لكن سايتو لاحقاً ما يبرم اتفاقاً مع القائد البريطاني: سيقوم سايتو بمنح الضباط والجنود البريطانيين معاملة أفضل وحرية في القرارات الهندسية المتعلقة ببناء الجسر مقابل قيام نيكولسن بالتعاون المطلق مع القيادة اليابانية والإشراف على العمل والتغلب على أي مصاعب يواجهها من طرف الجنود البريطانيين الذين يرون في الإتفاق خنوعاً يصل إلى حد الخيانة.

المواجهة في الواقع مزدوجةهي صراع قوى بين سجانين عنيفين وقساة وبين مسجونين ليس لديهم ما يخسرونه إلا كبريائهم إذا ما استجابوا وساعدوا في بناء الجسر. نيكولسن نفسه هو من سيواجه جنوده بحزم. بالنسبة إليه بناء الجسر هو عنوان الصمود ورقي فن الهندسة المعمارية للبريطانيين. 

لا يوجد هناك فيلم آخر في تاريخ السينما الحربية (وسينما المعسكرات) ما يشابه هذا النوع من الصدام بين المفاهيم والمبادئ.  في الوقت ذاته يوغل المخرج في سبر غور الشخصيات الماثلة. لا الكولونيل سايتو شريراً ولا الكولونيل نيكولسن ناصع الشخصية. هذا يتيح للمُشاهد حرية اتخاذ الموقف الذي يريده من كل طرف. بما أنه لم يشاهد سابقاً فيلماً يمنح الياباني والبريطاني تماثلاً في الخصال الرمادية فإن مقدار تحزّبه التقليدي صوب الشخصيات الغربية محدود. يصر المخرج لين على توفير تبعات الشخصية اليابانية الثقافية. هو رجل بكبرياء شديد يصل إلى حد الفخر ويرتدي ثياب الساموراي (الفولكلور البطولي الأعلى في التاريخ الياباني) وينظر باستعلاء صوب البريطاني وهو يقول له: “أنتم المهزومون، لكنكم لا تشعرون بالخجل كونكم انهزمتم”.

لكن القائدان، رغم كل التباعد بينهما، يتحوّلان إلى شخصين يعجب كل منهما بالآخر وخصاله وثقافته الإنسانية ويحترمه. هذا ما يزيد من انفراد الفيلم بالموقف واستبعاد العواطف التقليدية التي تعوّد عليها المشاهدون في أفلام الحرب العالمية الثانية التي تدين العدو وتحيي البطل.

إلى هذين القائدين هناك شخصية المجند الأميركي شيرز (وليام هولدن) كل هذا الكلام عن الثقافات والشأن التاريخي والتقاليد لا يعنيه. الحرب بالنسبة إليه تتلخص في كيف تبقى على قيد الحياة. بذلك فإن نهاية الفيلم هو أوج لكل هذه التناقضات.

صوّر جاك هيلديارد (لاحقاً «الرسالة» و«عمر المختار») الفيلم بما يلزمه من قيمة فنية. كان ماهراً في العمل على جماليات الفيلم ذي المواقع الطبيعية. الممثلون جميعاً (بينهم جاك هوكينز وجيفري هورن وجيمس دونالد) تحت لواء النص والإخراج المتمكن لأحد أهم رموز السينما حتى اليوم.



بريطانيا/ الولايات المتحدة  1957  

 سيناريو:مايكل ولسون  تصوير: جاك هيلديارد  

توليف: بيتر تايلور (104 د)   الشركة: 

Columbia Pictures

•  أدوار أولى:  وليام هولدن، أليك غينس، سيسو هاياكاوا، 

جاك هوكينز، جيمس دونالد.


Sunday, 14 June 2020

المشاكل ذاتها قبل جورج فلويد وبعده  

صُور شتّى في بحث السود عن الهوية الخاصة في السينما


هوليوود- محمد رُضا:


تحققت مخاوف كريس واشنطن واكتشف إن هناك من يحاول ابتلاعه حيّاً أو ميّتاً. من يكن له الحقد لمجرد إنه أسود البشرة. مجتمع قائم على مبدأ نحن وهم، وأبناء «نحن» هم الذين يريدون الإستئثار بالمكوّنات الإجتماعية كلها. كريس واشنطن اكتشف ذلك متأخراً.

كريس واشنطن هو إسم الشخصية التي لعبها الممثل دانيال كالويا في فيلم Get Out قبل عامين. شاب أسود مسالم ولطيف تربطه علاقة حب بفتاة بيضاء أسمها روز (أليسون وليامز) التي تريده أن يلبّى دعوة والديها اللذان يريدان التعرّف عليه. يستجيب ويكتشف هناك إن الدعوة كانت كميناً اشتركت فيها صديقته.


«أخرج» ـالذي كتبه وحققه الأفرو- أميركي جوردان بيل، جسّد مخاوف الرجل الأسود في عالم لا يستطيع البقاء فيه آمناً. عالماً قد يسحقه أو قد يبتلعه أو- في أفضل الأحوال- قد يُعيده إلى الطاعة كنسيج جديد من العبودية (الفيلم يحوي مثالاً من هذا النوع لشخص أسمه وولتر).



الصفعة

في وسط ما تشهده الولايات المتحدة اليوم من عاصفة أمنية تبعاً للحادث العنصري الذي وقع قبل نحو عشرة أيام وأدّى إلى مقتل رجل أسود غير مُسلّح تحت وطأة ركبة شرطي جثمت فوق عنق الضحية حتى النَفَس الأخير، تتبدى معالم الرحلة التي خاضتها السينما الأميركية في كل مرّة تحدّثت عن موضوع شائك يتعلق بالموضوع العنصري. 

من فيلم «داخل بواباتنا» (Within Our Gates) سنة 1920 إلى «أخرج» وما تلاه من أفلام أخرى قادت مواضيعها شخصيات أفرو-أميركية وقام ببطولتها ممثلون من ذوي البشرة الداكنة، تداعت الأفلام التي عبّرت بشكل أو بآخر عن تلك المخاوف التي تعيش في عمق الأفرو- أميركي في الولايات المتحدة وربما في أي منطقة في العالم فيها أقليات تواجه أوضاعاً عنصرية مشابهة. 

لكن السينما الأميركية كونها موجهة لخدمة الجمهور الغالب على أي حال، والجمهور الغالب يريد ترفيهاً وليس تفكيراً، فإن الثلاثينات والأربعينات ثم ما تلاها من عقود، حتى أواخر الستينات والقسم الأكبر من السعبينات، لم تكترث لتقديم أفلام كثيرة لا عن الإنسان الأسود كشخص ولا عن الموضوع العنصري كحالة ماثلة. غالبية ظهور الممثلين السود في أفلام الثلاثينات والأربعينات والخمسينات كانت من تلك التي تقدّمه على أحد نحوين: متخلّف عن الفهم، كسول وجبان (صورته في بعض أفلام سلسلة التحري تشارلي تشاين مثالاً)، أو شخص يمكن الوثوق به لأن طموحاته الشخصية متدنية ولا مطالب له فوق ما وُلد عليه. 

في هذا النطاق نجد شخصية الخادمة الوفية للعائلة الجنوبية مامي (هاتي ماكدانيال) في «ذهب مع الريح» (ڤكتور فلمينغ، 1939) ومثل شخصية عازف البيانو سام (دولي ولسون) في «كازابلانكا» (مايكل كورتيز، 1942). سام هو صديق ملائم وعازف بيانو موهوب لكن بشرته السوداء تبدو كنوع من الزينة في هذا الموقع المغربي في الفيلم. 

ربما لم تنطلق تلك الصورة من خارج الواقع حينها، لكن هوليوود حافظت عليها إلى أن بدأ المخرجون يوفرون صور للرجل الأسود أكثر أهمية من مجرد شخص بسقف معيشي منخفض وبطموحات بسيطة.

شكراً لرواية هاربر لي قام المخرج الجيد (والمهمل من الذكر عادة) روبرت موليغَن بتحقيق «لقتل طائر مقلّد» (To Kill a Mockingbird) في العام 1963 وفيه رجل أسود (بروك بيترز) متهم باغتصاب إمرأة بيضاء. فكرة الزواج العابر للعنصر البشري ظهرت في فيلم مصالحة هو «إحزر من القادم للعشاء» (ستانلي كرامر، 1967) وفي سنة 1967 أيضاً «في حرارة الليل» (In the Heat of the Night) حيث عرض المخرج نورمان جويسون وضع تحر أسود (سيدني بواتييه) له الفضل في تبرأة متهم أبيض من جريمة قتل. هنا صفع الأسود الرجل الأبيض لأول مرّة على الشاشة… وأين؟ في حكاية تقع في الجنوب الأميركي.

قبل ذلك مناوشات في الموضوع العنصري كما في «المتحديان» لستانلي كرامر (1958) و«حافة المدينة» لمارتن رِت (1957) (كلاهما من بطولة سيدني بواتييه).


نهاية الوهج

ذلك النصف الثاني من الستينات كان نقطة تحوّل مهمّة من حيث إنها الفترة التي شهدت مفهوم «بلاك باوَر» وصعود حركات مناهضة العنصرية بشقيها المسالم (مارتن لوثر كينغ) وغير المسالم كثيراً (مالكولم أكس) وتأثير هذه الحركات ظهر من العام 1968 ولاحقاً ليشكل ما تم تعريفه بـ Blackexplitaton: أفلام يقودها ممثلون أفرو-أميركيين يؤدون شخصيات بطولية منفردة. ليسوا في المؤخرة ولا في الجوانب ولا حتى هم «سنّيدو» البطل الأبيض، بل هم البطل الوحيد.

تم إنتاج أكثر من 150 فيلم من العام 1968 وخلال السبعينات وكثير منها حمل أسماء ابطالها: «شافت»، «سلوتر» «بلاك سيزار»، «سامسون الأسود»، «كوفي»، «كليوباترا جونز»، «شارلستون بلو» و«فوكسي براون».

معظمها أفلام بوليسية يؤدي دور البطل الأسود شخصية التحري الخاص أو الرسمي الذي يواجه عصابة بيضاء (وأحيانا عصابتان واحدة بيضاء والأخرى سوداء) مع ما تتضمنه تلك البيضاء من شخصيات عنصرية. في «شافت» يواجه رتشارد راوندتري هذه المعضلة ولا تفرق معه لون البشرة التي يواجهها. في «سلوتر» يحاول جيم براون معرفة من الذي اغتال صديقه الأبيض. «كليوباترا جونز» (من بطولة تامارا دوبسون) تنتصر هذه المرأة المسلحة بالبراعة والجمال على عصابة شيلي ونترز وتحرق حقول المخدرات التركية التي تستثمرها العصابة. كليوباترا هي التي تعطي الضوء الأخضر للقائد العسكري التركي (وليست قيادته أو مسؤول في البنتاغون مثلاً) فيقول بخطأ مقصود Everything is readiness ثم يشير بيده فيتم الحرق.

في الواقع لم يمتلك السود أي موقع سلطوي كهذا الا مع وصول كولِن باول وكونداليزا رايس وباراك أوباما إلى السُلطة في فترات متقاربة. لكن ما منحته هذه الأفلام للمشاهدين الأفرو-أميركيين شخصيات من الخيال تفرض على المجتمع قوانين جديدة وتشارك الشخصيات البيضاء في أفلام القوّة والحركة التعامل معها.

بعد تقلص وهج تلك الإنتفاضة السينمائية في أواخر السبعينات، أصبح معتاداً في أفلام البيض أن يتشارك الأبيض والأسود في البطولة كما حال داني كلوڤر ومل غيبسون في سلسلة Lethal Weapon وكما حال إيدي مورفي ونك نولتي في «48 ساعة»


نقد الواقع

بعيداً عن أفلام القوّة، سوداء أو بيضاء مع شريك أسود مناسب، ظهرت خلال الفترة اللاحقة وإلى اليوم أفلام جادة حول موضوع العلاقات العنصرية. «أخرج» ليس سوى واحد في سلسلة طويلة.

على سبيل المثال وضع المخرج سبايك لي كل ما يملكه من نقد للواقع العنصري في «إفعل الشيء الصحيح» (1989) و«حمى الغابة» (1991) وعاد إلى الموضوع في «مالكولم أكس» (1992). ونقل جون سينغلتون الموضوع إلى الغيتو ثانية في «فتيان الحي» (Boyz N the Hood) في السنة ذاتها. وسخر «أيها البيض الأعزاء» (Dear White People) من (لجوستين سيميَن، 2014) الوضع العنصري  ووجهة نظر المحافظين. 

لجانب هذه الأفلام طفت موجة من الأفلام التي تصوّر إما تاريخ العبودية أو ترصد مظاهرات الإحتجاجات التي اشتعلت في أكثر من مكان وزمان في الولايات المتحدة. في ذلك لم يكن «12 سنة عبداً» لستيف ماكوين أول فيلم عن الرق والعبودية من وجهة نظر معادية (هناك الفيلم الجيد والمنسي «ماندينغو» لرتشارد فلايشر سنة 1975 على سبيل المثال) كذلك لم يكن Selma لآفا دوفارني الا واحداً من أعمال تسجيلية كثيرة حول أحداث حقيقية وقعت في إطار الإحتجاجات العنصرية التي عرفتها أميركا في كل مراحلها الزمنية.

لكن في معظم هذه الحالات، فإن ما تشي به الأفلام التي عاينت موضوع العلاقة بين البيض والسود هو بحث الأفرو-أميركيين عن هوية فعلية ذاتية واجتماعية. والبحث سيبقى جارياً…